عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

49

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

دون غيره يفرح بمعرفته تلك واطّلاعه على أحوال ذلك الملك ، فإن كان عالما بأسرار ملك إقليم وتدبير أقطاره اشتدّت لذته وعظمت ، فإن اطلع على أسرار ملك الأرض كلها لم توازن لذّته بذلك لذة لاستحقاقه لتلك الرتبة وصلاحه لها ، فكيف تكون لذة من عرف اللّه تعالى مالك الوجود بأسره وملائكته وكيفية وجود الأشياء بقدرته وما انطوى عليه العالم من أسرار القدرة وبدائع الحكمة على الكشف والوضوح ؟ هل تصل إلى هذه اللذة لذّة أو إلى لذته بنفسه من كونه هو ذلك العارف ، أو يخطر ذلك على قلب بشر ؟ حكي أن بعض العارفين سمع قارئا يقرأ : قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ [ يوسف : الآية 75 ] فغشي عليه ، فلما أفاق سئل عن حقيقة ما فهم من هذه الآية فقال : جزاء من وجد المحبوب في قلبه كونه موجودا في قلبه وهل يوجد جزاء للمحبّ أعظم من حصول محبوبه بذاته في ذاته ؟ فهذا نهاية الفهم الدالّة على نهاية الحضور والمشاهدة : [ من الطويل ] أطالع في مرآة قلبي فلا أرى * يلوح بها معنى سواه مصوّرا حبيب إذا الوصّاف في نعت حسنه * أطال وأنهى القول في النّعت قصّرا تجلّى لأسراري فلمّا عرفته * تحجّب عنّي غيرة وتنكّرا وما أنا في معناه أوّل حائر * ولا من يزيد الفكر فيه تعثّرا فكلّ كمال ليس فيه نقيصة * وكلّ حديث ليس عنه فمفترى فلولاه لم ينطق لساني بذكره * ولولاه لم أسمع ولولاه لم أرى ولولاه لم أطرب إذا ذكر الحمى * ولم أترنّح للنسيم إذا سرى [ الجمال الظاهر والباطن أثر من آثار العالم الأعلى ] إشارة واعلم أن الجمال الظاهر والباطن إنما يستلذّه الإنسان ويفتتن به لأنّه أثر من آثار العالم الأعلى وإنما قبلت منه النفوس الإنسانية والصور الجسمانية بقدر اعتدالها وصفائها . فالإنسان يحنّ إلى هذا الجمال ما دام محلّه في تدبير نفسه ، فإذا ذهب تدبير النفس الناطقة لبدن الإنسان ، والحيوانية لجسم الحيوان ، والنباتية لجسم النبات ، ذهبت تلك العلاقة القلبية ، إذ نجد النفس تنفر بطبعها عن جسم الميت ولو كان محبوبها في حال الحياة ، لعلمها أنّه ليس محبوبها الحقيقي بل لا ترى محبوبها إلا الشيء الذي كان يشرق عليه من العالم العلوي فتنتقل علاقته إلى ذلك